الشيخ محمد هادي معرفة
396
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ومن عجيب الرأي ما زعمه أبو العلاء محمَّد بنغانم « 1 » قال : إنّ كتاب اللّه خالٍ من التخلّص لما فيه من التكلّف . « 2 » قال ابنالأثير : وهذا القول فاسد ، لأنّ حقيقة التخلّص إنّما هي الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره ، بلطيفة تلائم بين الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه . وفي القرآن مواضع كثيرة ، كالخروج من الوعظ والتذكير والإنذار والتبشير ، إلى أمر ونهي ووعد ووعيد ، ومن محكم إلى متشابه ، ومن صفة لنبيّ مرسل وملك منزَل ، إلى ذمّ شيطان مريد وجبّار عنيد ، بلطائف دقيقة ومعانٍ آخذ بعضها برقاب بعض . فممّا جاء من التخلّص في القرآن الكريم قوله تعالى : « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ . إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ . قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ . قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ . قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ . وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ . وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ . وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ . فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ . وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ . قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ . تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ . وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ . فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ . وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ . فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . « 3 » قال ابنالأثير : هذا كلام يُسكر العقول ، ويُسحر الألباب . وفيه كفاية لطالب البلاغة .
--> ( 1 ) - المعروف بالغانمي ، كان من الشعراء الفضلاء ، وهو من شعراء نظام المُلك . ( 2 ) - حسبما نقله عنه الزركشي في البرهان ، ج 1 ، ص 43 . ( 3 ) - الشعراء 69 : 26 - 102 .